أحمد بن يحيى العمري

57

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

- أصانها الله - مزيد للعفة ، ومزيل للكلفة ، والزواج يستحبّ للرجال والنساء سواء ، في طلب تجديده شهوات الأمّهات والآباء ، وقد جدع الإسلام أنف الغيرة « 1 » ، وجعل فيما اختاره الخيرة ؛ ولا يسخطك - أعزك الله - ما رضيه موجب الشرع ، وحبّب أدب الديانة ، وحكم به حاكم العقل في الصيانة ، فمباح الله أحقّ أن يتبع ، وهوى النفس في الحمية أولى أن يمتنع ؛ فإياك أن تكون ممن إذا عدم اختياره ، تسخط اختيار القدرة . ومنه قوله في فتوح : أصدرت هذا الكتاب بمواقع نعم الله الشاملة ، وآثار نعمه المتواصلة ؛ وهو أنّا لمّا رأينا السّيوف متوثبة في الأيدي للضرب ، وحاذرنا هجوم الشتاء على مضيق الدرب ، جعلنا آخر الأمر أوله ، وركبنا من الصعب أهوله ، وأرسلناها تتبارى في الركض ، وتتلاعب بالأرض ، وتتواثب كالظلمان ، وتتهافت كالعقبان ؛ أسرع من النجوم السائرة ، وأنفذ من السهام العائرة ؛ إلى أن نزلنا بطن هنزيط « 2 » ، فكنا أسبق إلى عيون أهلها من النظر ، وأدخل في نفوسهم من تسقط الحذر ، ولم يمض صدر اليوم إلّا وقد حصل جميع من فيه من المقاتلة والحامية ، والشّبي والماشية ، والغلام والجارية ، تحت رقّ الصّفاح ، وفي ملك الخيل والرّماح ؛ ثم يمّمنا بلد قالي قلا « 3 » ، فوردناها وقد سبقنا الإنذار ، وتقدمّنا إليهم الحذار ، فرجعنا إليهم بالعزائم الثاقبة ، والكتائب العالية ، فما كان بأسرع من أن زلزلت بهم الأقدام ، وتحصّنوا بالهرب من الحمام ، ودخلوا البلد ؛ فكاد السور يقذف بمقاتلتهم ،

--> ( 1 ) من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « جدع الحلال أنف الغيرة » . ( ثمار القلوب 1 / 502 وديوان المعاني 1 / 101 و 2 / 95 ومجمع الأمثال 1 / 163 ) . ( 2 ) هنزيط : من الثّغور الرّمية . ( معجم البلدان 5 / 418 ) . ( 3 ) قالي قلا : مدينة بأرمينيّة ، من نواحي خلاط ، ثمّ من نواحي منازجرد . ( معجم البلدان 4 / 299 ) .